محمد هادي معرفة
420
التمهيد في علوم القرآن
ومن لطيف الكناية وحسنها ما يأتي بلفظة « مثل » في قولك « مثلك لا يبخل » حيث نفيت عنه القبيح بأحسن وجه . لأنه إذا نفاه عمّن يماثله فقد نفاه عنه لا محالة ، إذ هو بنفي ذلك عنه أجدر ، وإلّا لم يكونا متماثلين . وعليه ورد قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 1 » وإن كان اللّه سبحانه لا مثل له ، لكنه كناية عن نفي مشابهته لشيء بأبلغ وجه . لأنّ مثله تعالى - فرضا - إذا لم يكن له مثيل فهو تعالى أولى بأن لا يكون له نظير . ومن ذلك أيضا قوله تعالى : أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ « 2 » . فإنه كنّى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله ، ولم يقتصر على ذلك حتى جعله ميّتا ، ثمّ جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبّة . قال ابن الأثير : فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة للمعنى الذي وردت من أجله . أمّا جعل الغيبة كأكل لحوم الناس فهو شديد المناسبة جدّا ، لأنّها ذكر مثالب المغتاب والوقوع في عرضه ، بل والحطّ من كرامته بما يهدم شخصيته وإيجاب النفرة منه . الأمر الذي يستدعي إبعاده عن الحياة العامّة ، ولا سيّما الحياة العملية المبتنية على تبادل الثقة بين أفراد الجامعة ، فلا يعتمده إنسان ولا يثق به غيره بعد حصول هذه النفرة بينه وبين سائر الناس . كل ذلك مغبّة فضحه بين الناس بسبب إبداء معايبه الخفية بالاغتياب ، فكان كعضو أشلّ لهيكل الجامعة الانسانية ، وكان موته وشلله حينذاك سواء . إذا فالذي يفعله المغتاب يشبه تماما بمن قتل أخاه ( العضو الفعّال الآخر للجامعة ) واقتات على
--> ( 1 ) الشورى : 11 . ( 2 ) الحجرات : 12 .